المنجي بوسنينة
104
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
قيده ، إلى أن تهيّأ الشيخ للسفر إلى طهران فوصل إلى السلطان مكرّما مقبول الشفاعة فأخذه معه ورجع إلى بغداد ، وكان تشفّع في كهيا : يوسف باشا والي أرزنة الرّوم وبعث معتمده الفيضي محمود أفندي مع عريضة إلى عباس ميرزا فلم يقبل شفاعته ، وإنّما شفاعة الشيخ جعفر تكريما له » . عرف عن الشيخ جعفر التّواضع ، واطراح التّكلّف ، والابتعاد عن الزّهو والفخر والتّكبّر على الآخرين ، فلم يكن يمتاز في ظاهر هيئته عن واحد من الأعراب ، مع ما كان فيه من الصّولة والوقار ، والهيبة والاقتدار ، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي كان في بداية أمره فقيرا محتاجا لا يتمكن من القيام بتكاليف الدراسة ، فرأى أن يؤجّر نفسه من بعضهم لإتمام ثلاثين سنة من العبادة يستغني بأجرتها عن مؤونات زمان التّحصيل . وكان يحاسب نفسه على الدوام ، ويأخذ عليها بالملام ، وكان كثيرا ما يقول عن نفسه : « كنت في الصّغر تسمّى جعيفرا ، ثم صرت جعفرا ، ثمّ سمّيت الشيخ جعفر ، ثمّ الشيخ على الإطلاق ، فإلى متى تعصي اللّه ، ولا تشكر هذه النّعمة » . وكان مواظبا على السّنن والآداب والعبادة ، والمناجاة في الأسحار ، والبكاء والتّذلّل من خشية اللّه تعالى ما يجعله في مراتب العباد الصّالحين . وكان من أهل الإحسان والفضل ، كثير المكارم ، كبير المروءة والحلم ، يبذل نفسه وماله وجاهه في قضاء حوائج النّاس ، مشفقا على أهله وأصحابه ومعارفه ، يسافر الأيّام الكثيرة في إنجاز مصالحهم ، ودفع الضّرر عنهم . وكان كثير التّعلّق بأبواب الملوك والحكّام ، لأجل ما في ذلك من المصالح الدّينيّة باعتقاده ، والمنافع اليقينيّة على اجتهاده ، وكان يرى استيفاء حقوق اللّه تعالى من أموال الخلائق على سبيل الخرق والقهر ، ويباشر أيضا صرف ذلك بمحض القبض إلى مستحقّيه الحاضرين من أهل الفاقة والفقر ، وكان يغتنم الفرص والمناسبات من أجل الحصول على المال من الأغنياء والتّجار ، وتوزيعه على الفقراء المستحقّين ، فيروى عنه : أنّه أبطأ في بعض الأيّام صلاة الظهر ، فجعل الناس يصلّون فرادى ، فلمّا دخل الشيخ جعفر المسجد جعل يوبّخهم ويقول : أما فيكم من تصلّون خلفه ؟ ثمّ رأى بعض التّجّار الأخيار يصلّي فقال : دعونا نأتّم بهذا العبد الصّالح ! فأتمّ به هو والجماعة ، فخجل التّاجر خجلا شديدا ، ولا يمكنه قطع الصلاة ! ولمّا فرغ من الصلاة تأخّر خجلا ، فقال له الشيخ : لا بدّ أن تؤمنّا في الصلاة الثانية ! فامتنع التّاجر ، فأصرّ عليه ، فقال : هذا لا يمكن ، قال : إذا فافتد نفسك بمال تدفعه للفقراء ، فأخذ منه مائتي شاميّ وفرّقها على الفقراء وأعفاه من الإمامة . وله من هذا القبيل مقامات وحكايات وطرائف لو جمعت لكانت رسالة طريفة . توفي الشيخ جعفر في مدينة النجف الأشرف يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رجب المعظم سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف من الهجرة النّبويّة الشّريفة ، وشيّعه جمع غفير من العلماء والطلبة والناس من الطبقات الاجتماعيّة كافة ، وازدحموا على نعشه ، ودفن بمقبرته الخاصة الشهيرة قرب داره الكبيرة في محلة العمارة إحدى محلات النجف الأشرف ، ورثاه الشعراء ورجال الأدب